السيد محمد الصدر
73
منة المنان في الدفاع عن القرآن
إلى أوراق . ويمكن أن نضرب لذلك مثالين : المثال الأوّل : أنَّ اللفظ الواحد مفهومٌ أفرادي يدلُّ على كثرة ، كالحائط والشجرة والكتاب ، وكلُّ لفظٍ متكوّن من حروف ، وكلُّ هذه المعاني متكوّنة من أجزاء . المثال الثاني : أنّنا قلنا : إنَّ علوم الفاتحة في البسملة ، وبرّرنا ذلك بأنَّ البسملة متضمّنة لأوسع الأسماء وأكبرها وأهمها ، وهي : الله الرحمن الرحيم ؛ لأنَّ لها نحو هيمنةٍ على سائر المخلوقات ، إذن فهذه العلوم الكثيرة مستبطنة في هذه الأسماء الثلاثة ، ويمكن اندراجها في لفظٍ واحد ، وهو لفظ الجلالة ، بعنوان كونه دالًّا على الذات ؛ باعتبار أنَّ الخلق كلَّه دائمٌ وقائمٌ بالله سبحانه . فحينئذٍ ندرك أنَّ كلّ علوم الكون في لفظ الجلالة وحده ، الذي قد يفسّر باسم الله الأعظم ، ومعه فلا بأس ان يرجع الكثير إلى الواحد أو إلى البسيط . الجواب الثالث : أنَّ كلّ مخلوقٍ فهو متكوّن من ماهيّة ووجود ، وكلٌّ منها يؤثّر أثره الخاصّ به ، فهل العلم يتعلّق بالماهيّة أو بالوجود ؟ فهنا نقول : إنَّه يتعلّق بالوجود ؛ فإنَّه من صفاته ومن صفات الباري سبحانه وتعالى ، وقد قال الفلاسفة : إنَّ الوجود كلّما كان أشرف كان أكثر تحمّلًا من القوّة والعلم والحياة والتأثير « 1 » . الجواب الرابع : أنّنا لو تنزّلنا وقبلنا انطباع العلم بالماهيّة لا بالوجود - وهي ماهيّة بسيطة - إلّا أنَّ معنى البساطة ليست التفاهة والصغر والضآلة كالنقطة الهندسيّة ، وإنّما هو بمعنى عدم تحقّق التحليل العقلي إلى رتبٍ وأجزاءٍ ، وهذا لا ينافي ضخامتها المعنويّة وأهمّيّتها ، فتكون متحمّلة للكثير
--> ( 1 ) أُنظر : الحكمة المتعالية 252 : 1 .